محمد بن محمد ابو شهبة
499
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وفي شأن المنافقين المتخلفين عن تبوك أنزل اللّه آيات كثيرة في سورة التوبة ، وسنعرض لهم فيما بعد . المتخلفون من غير نفاق وتخلف جماعة من المسلمين لا يتهمون في إيمانهم ، ولكن عن كسل ، وميل إلى الراحة ، منهم الجماعة الذين ربطوا أنفسهم في سواري المسجد ، ومنهم الثلاثة الذين خلّفوا ، وسنعرض لهم فيما يأتي ومن المتخلفين من تدارك أمره ، فلحق بالرسول في الطريق أو في تبوك . مسيرة الجيش إلى تبوك ثم سار الرسول قاصدا تبوك ، وأعطى اللواء الأعظم الصدّيق أبا بكر رضي اللّه عنه ولا يخفى على القارئ الفطن ما في إعطائه صلى اللّه عليه وسلم اللواء في اخر غزوة غزاها الصدّيق ، وتخليفه عليا في أهل بيته من إشارة لطيفة إلى أن الصدّيق أحق الصحابة بالخلافة . ووزع الرسول الرايات ، فأعطى الزبير بن العوام راية المهاجرين ، وأسيد بن حضير راية الأوس ، والحباب بن المنذر راية الخزرج . وسار الجيش في جهد شديد من قلة الظّهر ، حتى كان الرجلان والثلاثة يعتقبون على بعير واحد ، ومن قلة المؤنة حتى كان الرجلان والثلاثة يقتسمون التمرة فيما بينهم ، حتى استأذنوا رسول اللّه أن ينحروا رواحلهم فيأكلون منها ، فأذن لهم ، فجاء الفاروق عمر فقال : يا رسول اللّه إن فعلنا قلّ الظهر ، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع اللّه لهم فيها بالبركة ، فقال الرسول : « نعم » ودعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم حتى اجتمع من ذلك شيء يسير ، فدعا رسول اللّه بالبركة ثم قال : « خذوا في أوعيتكم » ، فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوها ، وأكلوا حتى شبعوا ، وفضلت فضلة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أشهد ألاإله إلا اللّه وأني رسول اللّه ، لا يلقى اللّه بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة » « 1 » .
--> ( 1 ) رواه مسلم والبيهقي ، عن البداية والنهاية ج 5 ص 10 .